
يعتبر هذا المقال ناقوس خطر للعالم من ترامب ليستفيق قبل فوات الأوان، وجميعنا نشاهد، كأنما العالم يُجلَد بسوطٍ من نار سوطٌ من غطرسة سياسية لا تعرف سوى لغة التهديد والعقوبات، فبينما تُحلِّق الصواريخ الكلامية بين واشنطن وبكين، وتتهاوى أسواق المال كأوراق الخريف، يُدرك الجميع أن «دونالد ترامب» لم يُشعل حرباً تجارية فحسب، بل فتح باباً لجحيم إقتصادي يلتهم الأخضر واليابس، فهل نحن أمام سيناريو «حرب باردة» جديدة، لكنها هذه المرة مُسلَّحة بالرسوم الجمركية والغرور السياسي؟.
«ترامب والغطرسة.. إمبراطورية العقوبات تتصدع»
لم تكن قرارات ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الصين والأوروبي إلا بدايةً لزلزال اقتصادي، فوفقاً لتقرير صادر عن "معهد بروكينغز"، فإن سياسة «أمريكا أولاً» حوَّلت الولايات المتحدة من قائدٍ للنظام العالمي إلى لاعبٍ منعزلٍ يُهدد أسس العولمة، والنتيجة؟، إنكماش التجارة الدولية بنسبة 12% خلال عامٍ واحد، وصراخ المزارعين الأمريكيين الذين فقدوا أسواق تصديرهم بسبب الانتقام الصيني.
«الصين تضرب بقوة.. 34% رسوماً جمركية انتقامية»
لم تكن"بكين" لتترك ضربات ترامب تمر دون ردٍّ مدوٍّ، ففي خطوةٍ وصفتها وكالة "بلومبيرغ" بأنها «الصفعة الأقوى»، فرضت الصين رسوماً جمركية بنسبة "34%" على وارداتها من السيارات والفولاذ الأمريكي، وقال الخبير الإقتصادي "ليو تشنغ" «الصين تثبت أنها ليست ضحيةً.. هذه حربٌ بالوكالة، والسلاح هو الإقتصاد»، وهذه الخطورة دفعت بورصة شنغهاي إلى فقدان 500 نقطة في يومٍ واحد، لكن الرسالة واضحة: «الغطرسة الأمريكية لن تمر».
«اليابان.. ضحيةٌ أخرى في ساحة الحرب»
لم يكن انهيار الأسهم اليابانية إلى أدنى مستوى منذ "أغسطس 2023" سوى تداعيةٍ أخرى لقرارات "ترامب" فمؤشر "نيكاي" خسر 8% من قيمته خلال أسبوع، وسط مخاوف من تضرر الشركات اليابانية العملاقة مثل «تويوتا» و«سوني» من الرسوم الجمركية، وتعليقاً على الأزمة، صرَّح رئيس الوزراء الياباني "فوميو كيشيدا"«السياسات الأحادية تُدمر الشراكة الدولية.. نحن ندفع ثمن غرور الآخرين».
«الاتحاد الأوروبي يرفع القفاز.. تحالفات جديدة في الأفق»
أمام تصاعد العدوانية الأمريكية، بدأ الاتحاد الأوروبي في تشكيل تحالفاتٍ اقتصاديةٍ مضادة، فإتفاقية التجارة الحرة مع "دول الميركوسور" الأرجنتين، البرازيل، باراغواي، أوروغواي، ومشروع «اليورو سيادة» لتعزيز الإستثمار المحلي، تُشير إلى أن العالم يُعيد رسم خريطة تحالفاته بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، وكما قال الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" «عصر الهيمنة الأحادية ولى.. أوروبا لن تكون رهينةً لأحد».
«الشرق الأوسط.. بين مطرقة العقوبات وسندان الفقر»
لم يسلم الشرق الأوسط من تبعات الحرب التجارية، فالعقوبات الأمريكية على إيران وتركيا أدت إلى إرتفاعٍ جنوني في أسعار الغذاء والدواء، بينما تُحذِّر منظمة "الفاو" من مجاعةٍ تهدد 50 مليون شخص في المنطقة، وحسب تحليل لـ "مركز كارنيغي للشرق الأوسط"، فإن سياسات ترامب حوَّلت الشرق الأوسط إلى «مختبرٍ لتجارب العقوبات القاسية»، حيث تُدفع الشعوب ثمن الصراعات الجيوسياسية.
«كوريا الجنوبية وتايوان.. حرب الرقاقات الإلكترونية»
في قلب المعركة، تبرز حربٌ خفية على تكنولوجيا الرقاقات الإلكترونية، فقرار ترامب بحظر تصدير الرقاقات الأمريكية إلى الصين أضرّ بشركات مثل "سامسونج" و"TSMC" التايوانية، مما أدى إلى خسائر تقدر بـ"120 مليار دولار"، وتعلّق الخبيرة التكنولوجية "كيم يو -جين" «هذه ليست حرباً تجارية.. إنها حربٌ على مستقبل الثورة الصناعية الرابعة».
تحت الضغط العالمي: أسواق مُترنحة واقتصاد يبحث عن توازن
في ظلّ اضطرابات تجارية متصاعدة، كشفت وكالة "رويترز" عن استمرار تراجع "الأسهم الأمريكية" وسط مخاوف من تداعيات المشاورات الثلاثية بين بريطانيا وأستراليا وإيطاليا للرد على "الرسوم الجمركية الأمريكية"، والتي يُنظر إليها كاشتعال جديد لحرب تجارية عالمية. وفي انعكاسٍ مُقلق، هبطت أسعار "النفط" إلى أدنى مستوياتها منذ ذروة جائحة كورونا، متأثرة بتراجع الطلب العالمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية، مما يُنذر بموجة ركود قد تطال إقتصاداتٍ هشّة بالفعل، والمشهد يُجسّد حالةً من القلق المالي العالمي، حيث تتصارع الحكومات بين حماية مصالحها ودرء إنهيارٍ إقتصادي مُحتمل.
وفي ختام المقال: إذا كانت الحروب القديمة تُخاض بالمدافع، فإن حرب "ترامب" تُخاض بالرسوم الجمركية والعقوبات.. لكن النتيجة واحدة: دمارٌ شامل، فبينما تُحذِّر "منظمة التجارة العالمية" من إنهيار النظام التجاري الدولي، يبدو أن العالم يقف على حافة الهاوية،لكن التاريخ يُعلمنا أن الغطرسة تُهزم دائماً بإرادة الشعوب، وكما كتب المفكر"نعوم تشومسكي" في كتابه «الهيمنة أم البقاء»: «الاستبداد الإقتصادي سقوطه مؤكد.. لكن السؤال هو: كم مليون روحٍ ستُزهق قبل أن نتعلم؟».