هل تُكتب الأقدار في ليلة القدر.. وما سبب تغيّرها كل عام؟

تعد ليلة القدر هي واحدة من أعظم الليالي في السنة والتي اختصّها الله تعالى بفضل عظيم ومكانة مميزة، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ”، فهذه الليلة المباركة تعد فرصة عظيمة لكل مسلم للاقتراب من الله عز وجل والتضرع إليه بالدعاء، وتتميز بكونها ليلة يُقدّر فيها كل شيء يحدث خلال العام القادم بأمر الله.
يكثر التساؤل بين الناس عن كيفية كتابة الأقدار في ليلة القدر وما إذا كانت الأقدار تتغير أم أنها ثابتة لا تتبدل، ويوضح القارئ نيوز في هذا المقال حقيقة كتابة الأقدار في هذه الليلة المباركة، وسبب تغيّرها من عام لآخر، استنادًا إلى ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
ما المقصود بكتابة الأقدار في ليلة القدر؟
القدر هو كل ما يحدث للإنسان من أمور كبيرة وصغيرة، وقد ذكر العلماء أن الله تعالى يُقدّر الأقدار في ليلة القدر بمعنى أنه يتم فيها تفصيل وتقدير ما سيحدث خلال العام المقبل من أرزاق وآجال وأعمال وغير ذلك من أمور الخلق، وقد استند العلماء في هذا الفهم إلى قوله تعالى في سورة الدخان: “فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ”، حيث بيّن الله أن في هذه الليلة المباركة يُقدّر كل أمر بحكمة وإرادة.
وقد أوضح أهل التفسير أن هذا التقدير يكون سنويًا، بمعنى أن ما سيحدث في العام المقبل يُكتب ويُبلّغ إلى الملائكة المكلفة بتنفيذ أوامر الله تعالى، مثل ملك الموت المكلّف بقبض الأرواح وملك الأرزاق المكلّف بتوزيع الأرزاق على العباد، وهذا يؤكد أن ليلة القدر هي ليلة تحديد المصائر بناءً على علم الله المسبق بكل شيء.
هل الأقدار تتغير أم أنها ثابتة؟
مسألة تغيّر الأقدار من الأمور التي شغلت أذهان الكثير من المسلمين، وقد وضّح العلماء أن الأقدار تنقسم إلى نوعين:
1.القدر المبرم (الثابت): وهو القدر الذي لا يتغير ولا يتبدل لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ منذ الأزل، وهذا القدر لا يعلمه إلا الله وحده، حيث قال تعالى: “مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا”
2.القدر المعلق (المتغير): وهو القدر الذي يبلّغ إلى الملائكة في ليلة القدر، وقد تتغير بعض الأمور فيه بسبب دعاء العبد أو أعماله الصالحة، وقد ورد في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يرد القضاء إلا الدعاء”، وهذا يعني أن الدعاء من الأمور التي يمكن أن تغيّر القدر المعلّق وتخفّف البلاء أو تجلب الخير.
كيف يمكن أن يتغير القدر بالدعاء والعمل الصالح؟
الدعاء من أعظم العبادات التي تُقرّب العبد من الله تعالى، وقد ثبت في السنة أن الدعاء يغيّر الأقدار، كما أن الأعمال الصالحة من صلة الرحم والصدقة وغيرها يمكن أن تكون سببًا في تغيير ما يُكتب للإنسان من قضاء.
وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه”، وهذا يدل على أن صلة الرحم تزيد من الرزق وتطيل العمر، كما ورد في الحديث أيضًا أن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع البلاء، مما يؤكد أن هناك أمورًا يمكن للعبد أن يفعلها فتؤثر في القدر المعلّق المكتوب في ليلة القدر.
أهمية الدعاء والاجتهاد في ليلة القدر
ليلة القدر ليست مجرد ليلة عادية، بل هي فرصة ذهبية لكل مسلم لتغيير مسار حياته نحو الأفضل، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الدعاء في هذه الليلة، وأفضل ما يقال فيها هو ما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها حين سألت النبي: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
ومن الأمور التي ينبغي على المسلم الحرص عليها في ليلة القدر:
الإخلاص في الدعاء مع اليقين بالإجابة
الإكثار من الاستغفار لطلب المغفرة والرحمة
الصدقة وصلة الرحم لإرضاء الله ودفع البلاء
قيام الليل بالصلاة وتلاوة القرآن الكريم
هل يعرف الإنسان ما كُتب له في ليلة القدر؟
لا يستطيع الإنسان معرفة ما كُتب له في ليلة القدر، لأن هذه الأمور من الغيب الذي اختص الله تعالى به نفسه، ولكن المسلم يمكنه أن يستبشر بالخير إذا أخلص في الدعاء والعمل الصالح، ويثق بأن الله يقدّر له ما فيه الخير.
وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من عبد يدعو الله بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو صرف عنه من السوء مثله أو ادخر له من الأجر مثل ذلك”، وهذا يدل على أن كل دعاء يرفعه العبد ينفعه إما في الدنيا أو في الآخرة.
تظل ليلة القدر سرًا من أسرار الله تعالى ومظهرًا من مظاهر رحمته بعباده، فهي ليلة تتنزّل فيها الملائكة وتُكتب فيها الأقدار وتُستجاب فيها الدعوات، وعلى المسلم أن يغتنم هذه الفرصة العظيمة بالإقبال على الله بالدعاء والعبادة، فقد تكون هذه الليلة سببًا لتغيير حياته بأكملها إلى الأفضل، والله تعالى أكرم الأكرمين وهو القادر على أن يغير حال عباده من الضيق إلى السعة ومن الهم إلى الفرج.