نبيل أبوالياسين: لـ«القارئ» السعودية فرضت استقرار اليمن.. فمتى تفرض مصر استقرار السودان؟
في زمنٍ ينهش فيه وهن الدولة الوطنية أوصال الأمم، تبرز لحظات الحسم كمنارات في عتمة الفوضى، هذا ليس مقالاً نكتبه فحسب، بل «ورقة سياسات» ترسم معالم التحرك العربي المطلوب في عام 2026.
ها هي المملكة العربية السعودية، في منعطف تاريخي مصيري، تقدم للعالم نموذجاً استثنائياً في «هندسة الاستقرار» في اليمن، تاركةً وراءها عصر إدارة الأزمات الهشة لتدخل عصر فرض السيادة بالقوة الوقائية والحكمة المؤسسية.
هذا النجاح، الذي حوَّل العمق الجنوبي من تهديد وجودي إلى مجال حيوي محمي، يضع اليوم جمهورية مصر العربية أمام مرآة المسؤولية التاريخية.
فالسودان، الجار الشقيق الذي يترنح على حافة الهاوية تحت وطأة «صراع الجنرالات»، يصرخ طالباً تدخلاً يحمل ذات البصيرة والإرادة.
السؤال الذي يلح على الضمير العربي الآن: هل ستستثمر القاهرة في درس الرياض لإنقاذ الخرطوم من براثن "اليمننة" والانهيار الشامل، أم ستترك الجمر يلتهم البيت المجاور؟
الموقف المصري: خطوط حمراء تنتظر الفعل
لا تخلو المواقف المصرية الرسمية من الحزم اللفظي والتحذير الصارخ. فقد أعلنت القاهرة أكثر من مرة عن «خطوط حمراء» واضحة لا يمكن تجاوزها، متعلقة بوحدة التراب السوداني والسيادة الوطنية، كما لوحت صراحة بآلية «اتفاقية الدفاع المشترك» بين البلدين.
على الصعيد الدبلوماسي، تشارك مصر بفعالية في المبادرات العربية (بالتنسيق مع دول مثل السعودية والأردن والأمم المتحدة) سعياً لوقف إطلاق النار.
إلا أن هذه الخطوات، رغم أهميتها الإستراتيجية والردعية، تظل حتى اللحظة محصورة في إطار الدبلوماسية والإنذار.
إنها تضع الأساس للشرعية لأي تحرك مستقبلي، لكنها تقف أمام باب القرار الأصعب: الانتقال من منطق «الترقب والردع» إلى منطق «المبادرة والحسم» الذي طبقه الجار الشرقي.
النموذج السعودي: درس في هندسة الاستقرار
لقد تجسدت حكمة الرياض في تحولها الاستراتيجي من الصبر الطويل إلى الحزم المؤسسي، لم يكن الرد السعودي على التحركات الميدانية في حضرموت والمهرة مجرد عمل عسكري، بل كان إعلاناً صريحاً عن نهاية عصر التسويات الهشة وبداية مرحلة «الردع الوقائي».
فهمت السعودية أن أمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد العالمية، بالإضافة إلى حدودها الجنوبية، لن يكون آمناً إلا بوجود دولة يمنية قوية ذات سيادة كاملة.
من خلال ضربات جوية دقيقة لدعم قوات «درع الوطن» الشرعية، وإصدار قرارات سيادية عبر مجلس القيادة الرئاسي المعترف به، قدمت الرياض نموذجاً فريداً يجمع بين القوة العسكرية الحاسمة والشرعية السياسية الكاملة.
هذا النهج، الذي قطع الطريق على «القرصنة الميدانية» للمليشيات، هو جوهر «هندسة الاستقرار» الذي حوَّل اليمن من تهديد وجودي إلى شريك في الأمن.
الدرس المستفاد واضح: الاستقرار لا يُوهب، بل يُفرض بجمع الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية لحماية مؤسسات الدولة.
السودان: اختبار الوجود المصري على حافة الهاوية
بينما تتنفس اليمن الصعداء بفضل الحكمة السعودية، يغرق السودان في دوامة عنف طاحنة تهدد ليس فقط شعبه، بل مقومات الأمن القومي المصري في الصميم.
مشهد «صراع الجنرالات» ليس نزاعاً سياسياً عادياً، بل هو عملية تفكيك منهجية لكل مؤسسات الدولة، مما يخلق واقعاً أشبه بدولة فاشلة على حدود مصر المباشرة.
هذا الانهيار يهدد مصر في أعصابها الحيوية: فهو يفتح الباب على مصراعيه لجماعات إرهابية تستهدف وادي النيل، ويهدد المشاريع المصرية الحيوية في حوض النيل، ويعرقل حركة الملاحة والتجارة في البحر الأحمر – الشريان الحيوي لقناة السويس، باختصار، ما يحدث في الخرطوم اليوم هو تفكيك متسارع للخط الدفاعي الجنوبي لمصر.
حماية السودان من «اليمننة» – أي التحول إلى كيان ممزق بين مليشيات – لم تعد مجرد تعبير عن التضامن، بل هي معادلة بقاء لمصر ذاتها. هذا الانهيار ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة حسابات خاطئة يتوجب على مصر كسرها.
تجاوز حسابات الوكلاء: لماذا يجب أن تعلو السيادة المصرية على المساومة؟
يتوجب على القيادة المصرية الآن الانعتاق من قيود المراقبة الحذرة للأطراف الخارجية التي توغلت في العمق السوداني، وباتت تدعم «صراع الجنرالات» وتؤجج نيرانه بشكل مفضوح لا يخفى على بصير.
إن الأمن القومي المصري، في جوهره الوجودي، يجب أن يظل خارج أي حسابات إقليمية ضيقة أو مساومات دولية مشبوهة؛ فالوضع في السودان قد بلغ مرحلة الكارثة التي لا تحتمل ترف الانتظار أو الاستمرار في التعويل على حلول دبلوماسية واهية أثبتت الأيام عقمها.
إن العالم لا يحترم إلا الدول التي تحمي حدود رحاها بيدها، وعلى القاهرة أن تدرك أن صمتها تجاه «المحركين من خلف الستار» لن يُفهم إلا كضعف، بينما الحزم في فرض الاستقرار هو الرد الوحيد الذي سيقطع أيدي العابثين بمصير السودان ووحدة ترابه.
لقد آن الأوان لتنحية لغة «المناشدات» جانباً، والتقدم بخطوات سيادية تضع مصلحة «وادي النيل» فوق أي اعتبار، وتفرض واقعاً أمنياً يحمي الجار الجنوبي من التحول إلى ورقة مقايضة في صراعات النفوذ الدولية.
الدعوة إلى الفعل: من التصريحات إلى الإرادة الفولاذية
إن المطالبة بتدخل مصري حازم، منفرداً أو بالتنسيق الاستراتيجي مع الرياض، ليست دعوة للحرب، بل هي مناشدة عاجلة لتطبيق «حكمة القوة الوقائية».
لقد أثبت النموذج السعودي أن انتظار تدويل الأزمات أو الاعتماد على الحلول التفاوضية مع أطراف لا تعترف بلسان سوى لغة القوة، هو وصفة لكارثة إنسانية واستراتيجية.
لقد حددت مصر خطوطها الحمراء بالكلام، وآن الأوان لتحويلها إلى واقع ملموس، على مصر أن تتعلم من درس الرياض: فالتدخل المبكر والحاسم، الذي يدعم بقايا مؤسسات الدولة الشرعية ويحاصر قوى التفتيت، هو الأكثر إنسانية وفعالية من حيث التكلفة على المدى الطويل.
باستخدام نفوذها التاريخي والثقافي في السودان، وقدراتها الدبلوماسية والعسكرية، يمكن للقاهرة قيادة مبادرة إقليمية حاسمة تفرض وقف إطلاق نار حقيقياً، وتؤمن الحدود، وتحمي مؤسسات السيادة من الانهيار التام، وتفتح مساراً سياسياً تحت وصايتها يمنع تحول السودان إلى يمنٍ ثانٍ على حدودها الجنوبية.
وختاماً: لقد رسمت الرياض في سماء اليمن دروساً بالغة الوضوح: أن الاستقرار لا يُوهب، بل يُفرض. وأن هيبة الدولة لا تُسترد بالكلام، بل بالإرادة الفولاذية والحكمة المؤسسية. اليوم، تتلقى الكرة في ملعب القاهرة.
إن النظر إلى السودان وهو ينهار، والاعتقاد أن جدران مصر عالية بما يكفي لتحصينها من سيل الفوضى القادم من الجنوب، هو وهم قاتل.
أمن مصر يبدأ من الخرطوم، واستقرارها مرتبط باستقرار شقيقتها. إن العالم الجديد، القاسي والتنافسي، لا يرحم الضعيف ولا يحترم المتفرج.
إنه يحترم فقط أولئك الذين يملكون الشجاعة لحماية مصالحهم وحدود رحمةهم. حان الوقت لترتدي مصر ثوب القائد الإقليمي الذي تستحقه، وتقود، بمفردها أو مع شقيقتها السعودية، حملة إنقاذ للسودان، ليس هذا ترفاً سياسياً، بل هو استثمار في بقائنا.
فإما أن نتعلم من حكمة الرياض، وإما أن ندفع الثمن غالياً حين تتحول أزمة السودان إلى نار تحرق الجميع. الخيار بين الحكمة والندم، والعمل اليوم أغلى من الندب غداً.
- السعودية
- مراقب
- حكم
- المتحدة
- داره
- المصري
- الحكمة
- الأزمات
- الكرة
- أمن
- الرياض
- درة
- القرص
- أبوالياسين
- فرج
- طالب
- دية
- التجارة
- قنا
- تعلم
- الوقت
- وقت
- السودان
- المبادرات
- الاستقرار
- مبادرة
- عمل
- الملاحة
- آلام
- النظر
- العمل
- مجلس
- التاريخ
- الدول
- اليمن
- الرى
- التضامن
- أبو
- مؤسسات الدولة
- مصر
- تجار
- الدولة
- الشجاعة
- دولة السودان
- التفاوض
- إتفاقية
- القاهرة
- حافة الهاوية
- جمهورية مصر العربية
- حركة الملاحة
- الصعيد
- كتب
- العالم
- المملكة العربية السعودية
- تمر
- القوة
- مبادرات
- نبيل أبوالياسين
- تهديد
- صورة
- مهره
- حرب
- الفوضى
- قناة
- الخطوات
- التجار
- العربية
- حرق
- آدم
- غال
- النمو
- القارئ نيوز



