نبيل أبوالياسين: «الارتداد الكوني» و«مقصلة الصناديق».. سقوط الهيمنة الإمبراطورية بصفعتين لترامب من برازيليا وبلجراد
إن ما حدث في برازيليا ليلة 26 أكتوبر ليس مجرد فوز انتخابي عابر، بل هو تجلٍّ ميداني لـ «نظرية اللعنة الالتصاقية» التي طالما حذرنا منها. كل من التصق بـ «محور صناعة الأزمة» — من مجرمي الحرب إلى تجار «التربية الاستعلائية» الذين يهينون الشعوب كليبيا — أصابته «العدوى الارتدادية». فترامب، الذي راهن على فلافيو بولسونارو كورقة لـ «الاستعمار الناعم» في أمريكا اللاتينية، اكتشف أن الرهان على «الوريث البيولوجي للانقلاب» هو رهان على حصان ميت.
لقد أعلن فوز لولا بـ 51.75% ولادة «مناعة القطيع السيادي». الشمال الشرقي البرازيلي الفقير لم يصوّت لشخص لولا، بل صوّت ضد «فيروس الاستعلاء». وكما فتح ماكليمور استاداً في الضمير بوجه ترامب في واشنطن، فتح فقراء باهيا وبرنامبوكو استاداً في الجغرافيا بوجه مرشحه في برازيليا. إنها «القاعدة الذهبية للجيو-أخلاق» الجديدة: من اقترب من صانع الأزمات احترق بناره، ومن تمسّح بقاتل الأطفال لعنته دماء الأطفال. لعنة غزة، ولعنة إهانة ليبيا، ولعنة التعالي على الشعوب، هي نفسها التي أسقطت فلافيو اليوم، وستسقط كل وكلاء «النفوذ السام» غداً. لقد اكتمل الطوق.
«هندسة الصناديق» و«انكسار الغرف المغلقة»: من «الوصاية الأمريكية» إلى «الإرادة الشعبية المستقلة»
هذا التطور يمثل حلقة جديدة في سلسلة التحولات الجيوسياسية الكبرى، حيث يتشكل المشهد العالمي وفق معادلات جديدة عنوانها الأبرز: سقوط السرديات القديمة وصعود «الإرادة الشعبية المستقلة». فمن عواصم القارة العجوز التي تنتفض في وجه «هندسة التقسيم»، إلى الساحات الأمريكية اللاتينية التي ترفض «الاستعمار الناعم»، تؤكد هذه المتغيرات المتسارعة يوماً بعد يوم أن العالم لم يعد يتقبل «الوصاية الممزقة».
إن «هندسة الصناديق» (التي بدأت في واشنطن وتل أبيب وامتدت إلى برازيليا) تُثبت أن الشعوب باتت تفرض خياراتها بعيداً عن حسابات «الغرف المغلقة» لإمبراطوريات الفراغ. فالتوازن الإقليمي والدولي الراهن لم يعد يُدار بابتزاز الطاقة أو التهديد العسكري، بل بـ «الوعي السيادي» الذي يكتسح الجغرافيا. ومن هنا، يصبح «درع مكة» ليس مجرد بديل أمني، بل هو التعبير الأرقى عن هذه «المناعة السيادية» التي ترفض أن تكون ورقاً في صفقات «ثنائي العبث». إنها «مقصلة الصناديق» التي تُنهي عصر التبعية، وتُعلن ميلاد نظام عالمي جديد، تُكتب فيه الخرائط بأصوات الشعوب، لا بنزوات فرد في البيت الأبيض.
«عقيدة العصابات الدبلوماسية» و«كتالوج البعبع المستهلك»: حين يعترف مبعوث الإمبراطورية بـ«جريمة الـ 23 نظاماً» ويرتدع في برازيليا
فإذا كانت برازيليا قد كشفت «شيخوخة الهيمنة» و«فيروس الاستعلاء»، فإن أعتى مظاهر هذا السقوط تتجلى في «عقيدة العصابات الدبلوماسية» التي تحكم واشنطن. فحين يخرج علينا مبعوث الإمبراطورية بكل صفاقة ليعترف على الملأ بأنهم «أسقطوا 23 نظاماً»، متجردين من كل قناع دبلوماسي ليتحولوا إلى ما يشبه «مافيا دولية» تدير مقدرات العالم بالقرصنة لا بالقانون، فإننا لا نكون أمام مجرد تصريح عابر، بل أمام «اعتراف موثق بالقتل الجيوسياسي».
لقد دمروا الدول ونهبوا الثروات تحت غطاء «كرتونة التصورات الوهمية» وما تحويه من «كتالوج البعبع المستهلك» — من فبركات الإرهاب وداعش إلى بعبع إيران — تلك الأكاذيب المُعلّبة التي فسدت صلاحيتها السياسية والآدمية ولم تعد صالحة حتى للاستهلاك المحلي. واليوم، تقف واشنطن عاجزة عن أي حشد دولي، ومشلولة عن توجيه أي انتخابات أو تغيير أي أنظمة. وما المشهد البرازيلي سوى «البرهان الساطع على شيخوخة الهيمنة».
لقد لقّن الشعب البرازيلي لـ«طبقة المستنقع الأسود» الواشنطونية درساً قاسياً في «هندسة السيادة»، مسترداً وعيه المفقود ليثبت أن عصر الوصاية قد انقضى، وأن إرادة الشعوب الحرة هي التي تُسقط مافيا القلاع وتُعيد كتابة جغرافيا الكرامة من جديد.
«الارتداد الكوني» و«مقصلة الصناديق»: من برازيليا إلى بلجراد.. حين تُسقط الشعوبُ وكلاءَ الإمبراطورية
فإذا كانت برازيليا قد أسقطت «وريث الانقلاب» المدعوم من ترامب، فإن بلجراد لم تكتفِ بذلك، بل أسقطت «رجل بوتين في البلقان». ففي تزامن مذهل يوم 26 أكتوبر، أقر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة أمام «حركة احتجاجية طلابية»، ليكتشف الرجل الذي راهن على التحالف مع ترامب وبوتين ونتنياهو، أن من أسقطه هم «طلاب صربيا»، وأن ما أسقطه هو «فساد النظام» لا «المؤامرات الخارجية».
وهكذا، في يوم واحد، اكتمل الطوق حول «عقيدة العصابات الدبلوماسية»: في البرازيل، سقط «مرشح ترامب» أمام إرادة الفقراء؛ وفي صربيا، سقط «حليف بوتين ونتنياهو وترامب» أمام إرادة الطلاب. إنها «مناعة القطيع السيادي» التي تُثبت أن الشعوب لم تعد تقبل بـ «الوصاية الممزقة».
لقد أدركت الشعوب أن «اللعنة الالتصاقية» لا تُبقي على أحد: فمن يقترب من «صانع الأزمات»، تحرقه النار، ومن يظن أن الصناديق يمكن خداعها، تدهسه «مقصلة الصناديق». فبينما يترقب العالم «السقوط الكبير» لثنائي العبث في واشنطن وتل أبيب يومي 27 أكتوبر و3 نوفمبر، نعلنها بوضوح:
وقع القلم... الشرق يُهندس «السيادة»، والغرب يشفر خوارزميات «آلات التغيب» ويسترد «الوعي الجمعي».. وتتهاوى الإمبراطورية الأمريكية.



