الأربعاء 21 أكتوبر 2026 الموافق 10 جمادى الأولى 1448
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
القارئ نيوز القارئ نيوز
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
عاجل

نبيل أبوالياسين: «الانفصام الاستراتيجي».. أوروبا تهاجم ترامب.. والدوحة تنتقل من «عاصمة السلام» لـ«سيادة التصنيع»

نبيل ابو الياسين
نبيل ابو الياسين

ما يجري اليوم على خط توطين الصناعات الدفاعية القطرية ليس حدثًا عارضًا، بل هو «لحظة إفصاح استراتيجي» تُترجم منطق البيان السابق إلى مادة صلبة. فحين تعلن دولة قطر أنها تتجه لتوطين صناعاتها الدفاعية بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، فهذا انتقال من «هندسة السيادة» – أي إدارة السيادة عبر التحالفات والمواقع الجيوسياسية – إلى «هندسة الردع»، أي بنائها عبر القدرة التصنيعية الذاتية. وتكشف الخطوة أن «الفيتو المصلحي» الذي تحدثنا عنه سابقًا لم يعد مجرد أداة ردع سلبية، بل أصبح «محرّكًا هندسيًا» يُعاد به توزيع الأدوار في منظومة الأمن الإقليمي. فالتوجه إلى بناء قاعدة تصنيع دفاعي مع شركاء إقليميين ودوليين يُنتج ما يمكن تسميته «سيادة قابلة للتصنيع»، أي سيادة لم تعد تُستمد من عقود «الحماية المستأجرة»، بل من القدرة على تحويل التبعية إلى شراكة، والشراكة إلى معرفة، والمعرفة إلى سلاح. وهنا يتجلى المعنى الأعمق: أن «اليُتم الجيوسياسي» الذي رصده البيان السابق لم يعد حالة يُبكى عليها، بل أصبح «وقودًا هندسيًا» يُدفع به نحو «الجاهزية الذاتية»، في انتقال من «الأمن المستورد» إلى «الأمن المُصنَّع»، ومن «التحالف التبعي» إلى «التحالف التبادلي». وبذلك تصبح الخطوة القطرية «إعلانًا صامتًا» لا تُكتب فيه بيانات، بل تُبنى فيه مصانع، مفادها أن «الفيتو المصلحي» قد انتقل من مرحلة الكشف عن هشاشة المظلات التقليدية إلى مرحلة بناء البديل المحلي. وهو ما يجعل من توطين الدفاع «شيفرة سيادية جديدة» تُكتب بها خرائط الأمن في عصر الوفاق الثلاثي، حيث لم تعد السيادة تُستمد من التحالفات، بل من المصانع.

«الهندسة الدبلوماسية الوقائية» ضد «مُهندسي العدم»: كيف يتحول «النفير الدبلوماسي القطري» إلى كابوس يطارد نتنياهو؟

فإذا كانت «سيادة التصنيع» العسكرية تمثل الدرع الصلب الذي تبني به قطر جاهزيتها الذاتية، فإن «الهندسة الدبلوماسية الوقائية» تمثل درعها الناعم الذي يكسر «اليُتم الجيوسياسي». فكلما زاد «النفير الدبلوماسي القطري» الذي أعلناه منذ أكثر من ثمانية أشهر، وتزامن مع «الضخ الدبلوماسي» المكثف (بالشراكة مع إسلام أباد) لكسر جمود المفاوضات وتفادي انزلاق المنطقة إلى صراع
طويل الأمد بين واشنطن وطهران — عبر مقترحات وسطية تُعيد الأموال المجمدة وتفتح الأبواب لزيارات الوكالة الذرية — كلما شعر «مهندس الفوضى» نتنياهو بأن شبكة الاستقرار الجديدة تطوقه. فنتنياهو، الذي يعيش على إدمان عدم الاستقرار، لم يجد بديلاً عن التهكم على الدوحة وتلفيق الادعاءات، محاولاً إعادة إنتاج «شماعة الأموال القطرية»، لولا أن وثائق «تايم» الأمريكية جاءت لتكشف عري الرواية الإسرائيلية، وتثبت بلسان الإسرائيليين أنفسهم أن حكومات نتنياهو المتعاقبة هي من أدارت آلية تلك الأموال وصنعتها.

وهنا يتكشف المشهد في أبهى صوره: تحالف «الابتزاز الانتخابي» بين ترامب ونتنياهو، حيث يبحث الأول عن كبش فداء انتخابي، ويبحث الثاني عن شماعة عزل إقليمي، فيتخذ كلاهما من الإسلام وقطر ستاراً. لكن هذه اللعبة المكشوفة تسير عكس التيار، إذ يحاصر «العدل الدولي» ترامب لدعمه الإبادة وعرقلته للعدالة، ويطارد نتنياهو كمجرم حرب. وبذلك يثبت الواقع أن الصخب والتهكم لن يوقف مسار «الهندسة القطرية»، وأن «رافعة السلام العادل» التي تحملها العواصم العربية والإسلامية هي الكفيلة بإنهاء العبث، لتُسطر نهاية تحالف تدمير القانون الدولي، وعودة أصحابه إلى قفص الاتهام، في «مذلة» هي الحصاد الطبيعي لمهندسي العدم.

 


«الفيتو المصلحي» في نسخته الأمريكية: بين اختبار الناتو، وابتزاز الملف الأخلاقي، وسقوط «الحماية المستأجرة»

تصريح ترامب بأن حلفاءه في الناتو «لم يكونوا مستعدين للمساعدة عندما طلبنا ذلك»، وأنه طلب المساعدة بشأن حرب إيران «لاختبار موقفهم»، ليس تصريحًا عابرًا، بل هو إفصاح عن عقلية إدارة إمبراطورية متراجعة: التحالف لم يعد التزامًا، بل عقد خدمة قابلًا للاختبار والإلغاء. ومن يقرأ المشهد بمنطق «الخوارزمية البشرية» يدرك أن واشنطن لا تبحث عن شركاء، بل عن أدوات طاعة فورية؛ وحين يتردد الحلفاء، يُسجَّل التردد كذريعة لفرض شروط جديدة أو للانكفاء نحو الداخل.

لكن الأعمق من التصريح هو هندسة الابتزاز وتبادل الأدوار: فالمغامرة ضد إيران لم تُقدَّم لأوروبا والخليج كخيار قانوني، بل كاختبار ولاء تحت ضغط الملف الأخلاقي الذي يُمسك به الحليف الإسرائيلي نتنياهو، وفق قراءتنا التي أعلناها منذ ثمانية أشهر؛ فيتحول التحالف الغربي من مظلة دفاع إلى ساحة مقايضة. وحين قال الجميع «لا السيادية»، انقلب الاختبار على صاحبه، فانكشفت هشاشة الإمبراطورية وجيشها وأسلحتها، وطُويت أسطورة «الدفاع المشترك» أمام أعين الجميع.

وهنا يكتمل المشهد: أوروبا تُلام على تقاعسها، والخليج يُشعَر بأن قواعده ليست عقدًا مضمونًا بل حماية مستأجرة قابلة للمراجعة، وواشنطن نفسها تكشف أن «الفيتو المصلحي» ليس أداة تستخدمها ضد خصومها فقط، بل ضد حلفائها أيضًا. وبذلك يصبح تصريح ترامب مسمارًا جديدًا في نعش التحالفات التقليدية، وتأكيدًا على أننا في حقبة «البراغماتية المتوحشة»، حيث لا يبقى على الطاولة سوى المصالح والمقايضات واختبار مدى طاعة التابع.

وهذا بالضبط ما يمنح خطوة قطر نحو توطين الدفاع معناها: «سيادة التصنيع» ليست رد فعل، بل ترجمة هندسية لليُتم الجيوسياسي — حين تصبح الحماية مستأجرة وقابلة للإلغاء، يصبح المصنع هو شيفرة السيادة.

 

 


«الانفصام الاستراتيجي المدروس»: بين «سندمّر» و«نوقف الآن» — قراءة في تناقض ترامب الظاهر

أليس هذا تناقضًا؟ أن يقول ترامب «سندمّر»، ثم يقول «يمكننا وقف العمليات العسكرية الآن مع ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي»؟ ظاهريًا نعم، لكنه في العمق ليس تناقضًا في المنطق الداخلي للفاعل، بل تناقض في الخطاب الموجَّه للجمهور؛ فالهدف واحد: الحصول على نتيجة سياسية بأقل كلفة، وبيعها كانتصار. هذا ما نسميه «الانفصام الاستراتيجي المدروس»: التهديد الأقصى والاستعداد للصفقة في اللحظة نفسها، وكلاهما أدوات ضغط لا مبادئ.

ويمكن تفكيك التناقض على ثلاثة مستويات: تناقض التصريحين (التهديد مقابل الوقف)، وتناقض الوسيلة والغاية (الحرب مقابل الصفقة)، وتناقض الخطاب والسلوك (الخطاب الموجَّه للحلفاء مقابل الخطاب الموجَّه للخصوم). وفي كل المستويات، ثمة لعبة «الابتزاز المزدوج» و«الاستسلام المُسعّر»: وقف العمليات ليس تنازلًا، بل تسعير للهدنة بشرط يُباع إعلاميًا كضمان نووي، حتى لو لم يكن ضمانًا تقنيًا قابلًا للتحقق.

فترامب يعلم أن الاستمرار في حروب مفتوحة يستنزف رصيد واشنطن ويعارض «الانكفاء الداخلي»؛ لذا هو مستعد للوقف عاجلًا، شرط أن يحصل على مكسب استراتيجي يبيعه لجمهوره انتصارًا، حتى لو ترك حلفاءه في الإقليم يواجهون مصيرهم تحت مظلة «الحماية المستأجرة». وهكذا يبقى التصريحان وجهين لعملة واحدة: إدارة الأزمات بالحافة، حيث يُلوَّن الموقف حسب الطرف الموجَّهة له الرسالة — ابتزاز الحلفاء ليدفعوا الفاتورة، ومداعبة الخصوم لتسوية مغلفة إذا ضمنت الأهداف العليا دون طلقة واحدة.

وهذا التناقض هو الدليل الأقطع على أننا لسنا أمام مبادئ ثابتة، بل أمام «خوارزمية مصلحية بحتة» لا تهتم بمن يدفع الثمن، طالما أن النتيجة تصب في حسابات الإمبراطورية ورجال «اجتماع الورثة». وهو ما يمنح خطوة قطر نحو توطين الدفاع معناها: «سيادة التصنيع» ليست رد فعل، بل ترجمة هندسية لليُتم الجيوسياسي — حين تصبح الحماية مستأجرة وقابلة للإيقاف، يصبح المصنع هو شيفرة السيادة.

 

 


«الفاتورة الدموية للطاقة» و«العبث الجيوسياسي»: الشارع الأوروبي ينتفض تحت وطأة ارتدادات المغامرات العسكرية الفوقية

وحين انكشف «الانفصام الاستراتيجي المدروس» في واشنطن، وامتحن ترامب حلفاءه في الناتو تحت وطأة المغامرة الإيرانية، لم يكن الشارع الأوروبي بمنأى عن فاتورة هذا الامتحان. فالعالم اليوم يشهد انعكاسات مقلقة لما يمكن وصفه بـ«الخوارزمية الجيوسياسية المختلة»، حيث تتكشف تدريجياً مخرجات السياسات الأحادية والتقاطعات التحالفية المتهورة التي طالما حذرنا منها. إن ما ترصده عدسات الكاميرات في الفيديوهات المتداولة على المنصات الرقمية، من مشاهد لاحتجاجات عارمة واضطرابات وفوضى تجتاح عدة عواصم أوروبية (مثل فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، وبلجيكا)، ليس سوى «الارتداد العكسي» أو ما يمكن اصطلاحه بـ«التصدع الاقتصادي-الأمني الموهوم»، الناتج عن سياسات العبث بالسلم الإقليمي والدولي.

إن هذا الحراك الغاضب والانهيار في جدار الاستقرار المجتمعي في قلب أوروبا، يعكس بوضوح تداعيات صدمات الطاقة وغلاء المعيشة الفاحش، والذي تقف خلفه كفاتورة مباشرة تلك المغامرات العسكرية الاستباقية — وعلى رأسها التداعيات المترتبة على التصعيد ضد إيران وما خلّفه من قفزات جنونية في أسعار النفط وعصب الاقتصاد العالمي. هكذا تتحول القرارات الفوقية إلى «تسونامي معيشي واجتماعي» يكتوي بناره المواطن البسيط في الشارع الأوروبي، في حلقة مفرغة عنوانها البارز: دفع ثمن أخطاء الاستراتيجيات المأزومة.

وقد تصدرت تصريحات القيادات الأوروبية الصحف العالمية، محمّلةً ترامب المسؤولية المباشرة عن ارتفاع أسعار النفط والغلاء الذي استشرى في القارة بسبب مغامرته غير القانونية ضد إيران، وعلى رأس هؤلاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وهو ما يعيد إلى الأذهان تحذيراتنا السابقة التي أكدنا فيها أن حكومات العالم ستكون ضحية للمغامرات الأمريكية، وأن الشعوب لن تصبر طويلاً على فواتير الغلاء؛ فإذا كان صناع القرار في أوروبا يدفعون اليوم ثمن «العبث الجيوسياسي المختل»، فإن المواطن الأوروبي هو من يقف في الصف الأول لدفع «الفاتورة الدموية للطاقة».

وفي مفارقة إدراكية صارخة، بينما انهار صبر الشارع الأوروبي أمام الفاتورة، يواصل الشارع العربي تحمّله الواعي لغلاء المعيشة الفاحش؛ ليس لأن حكوماته هي السبب، بل لإدراكه التام أن الخلل يكمن في «الفرد» الذي يمسك بمقدرات ثمانية مليارات إنسان من البيت الأبيض. ولكن، هذا التحمّل العربي لن يدوم طويلاً؛ فالغلاء الذي زرعته مغامرات ترامب سيفرض قريباً على جميع حكومات العالم التوحد لاتخاذ موقف حاسم ضد هذا «العبث السياسي المختل».

وهنا يدرك الخليج أن «الحماية المستأجرة» لم تعد تضمن سوى الفواتير، وأن التحالفات التي تبتز أوروبا اليوم قد تبتز غيرها غداً، ما يجعل من خطوة قطر نحو «سيادة التصنيع» ضرورة وجودية لا ترفاً استراتيجياً.

تم نسخ الرابط