نبيل أبوالياسين: من «عطب الإعلام» إلى «نداء السيادة».. دعم «السعودية» واجب وطني وعقيدة شرعية
إن تصريح ترامب بأن «مكاسب فنزويلا تعادل عشرة أضعاف تكلفة الحرب» ليس مجرد «كلام انتخابي»، بل هو «اعتراف النهب» بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد كشف ترامب، بلسانه، أن الحرب على فنزويلا لم تكن «دفاعاً عن الديمقراطية»، بل كانت «استثماراً عسكرياً» عائده عشرة أضعاف تكلفته. إنها «دولة الشركة» في أبهى صورها: تُدار الحرب كأنها خط إنتاج، ويُسعَّر الدم كأنه بند في الميزانية.
وهنا يتجلى «تسعير الدم»: أن يتحول رئيس دولة إلى «مدير تنفيذي» يقدم تقرير أرباح للمساهمين، ويتباهى علناً بأن السرقة كانت «مربحة». هذا هو «التباهي بالإجرام» في أقصى درجاته: لا يكفي أن يسرق، بل يتفاخر بأن السرقة كانت صفقة رابحة. وبين «هرمز» التي أُغلقت لرفع أرباح إكسون، و«فنزويلا» التي اختُطف رئيسها لنهب ثرواتها، و«كاليفورنيا» التي يُحاول السطو على صندوقها، تتضح الحقيقة: «الوجه واحد، واليد واحدة، والهدف واحد» — تحويل الدم والثروة والصوت إلى «سلطة مطلقة» لا تعرف الجغرافيا ولا ترحم الفقراء.
«ترحيل الانهيار» و«مغناطيس الاستهداف المؤجر»: حين يكتشف الخليج أن «الحماية» صارت صواريخ
وهذا المنطق لا يتوقف عند السرقة، بل يمتد إلى «ترحيل الانهيار» إلى الخارج. فالإمبراطورية التي تنهار من الداخل تُشعل الحروب لتُصدّر أزماتها، وتُغلق الممرات لتُرفع أرباح شركاتها، وتُلقي بثقلها على الحلفاء الذين راهنوا على «الحماية المستأجرة».
بدءاً من أوكرانيا في الغرب، التي تطالب الآن بسلام عادل عبر وساطة تركيا بعد أن يئست من «أرجوحة الفوضى الغربية»، وصولاً إلى دول المنطقة في الشرق، التي أدركت أن البديل الأمني الحقيقي هو «درع مكة للردع». وهنا يكتشف الخليج أن «مغناطيس الاستهداف المؤجر» الذي نُصِب على أرضه لم يعد يحمي، بل يجذب الصواريخ.
«انقلاب المظلة إلى مغناطيس» و«فخ السيادة المثقوبة»: حين تُصفّر الرياض عقد «الحماية المستأجرة»
إن رسالة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس الصيني، التي كشفت عنها تقارير «CNN» وصحف دولية أخرى، ليست مجاملة دبلوماسية، بل هي إعلان رسمي عن «تصفير عقد الحماية المستأجرة» والدخول في «عقيدة الأمن بلا وصاية». فبعد أن كشفت حرب غزة وحرب أوكرانيا أن «مظلة الحماية المستأجرة» الأمريكية تحولت إلى «مغناطيس استهداف مؤجر» يجذب الصواريخ إلى أرض الخليج ولا يصدها، أدركت الرياض أن واشنطن تمارس «هندسة الابتزاز الأمني المزدوج»: تبيعك السلاح بتريليونات، ثم تبيعك الخطر الذي صنعه سلاحها.
«دبلوماسية المبعوث الضامن» و«رافعة السلام الشرقية»: تصفير العقد شرقاً وغرباً
وإعلان بكين الفوري بإرسال مبعوثيها إلى الرياض وطهران ومسقط والقاهرة هو الترجمة العملية لمقولة: «الحماية المستأجرة سقطت في الغرب وسقطت في الشرق». ففي الغرب سقطت حين قالت أوكرانيا لتركيا: تعالي توسطي لنا بعد أن يئست من «وهم الوساطة الغربية»، وفي الشرق سقطت حين قالت الرياض لبكين: تعالي اضمني أمننا بعد أن يئست من «دبلوماسية حاملة الطائرات». والصين هنا لا تمارس دبلوماسية المبشر، بل تمارس «دبلوماسية المبعوث الضامن» و«رافعة السلام الشرقية»، مقابل «فخ السيادة المثقوبة» التي نصبته واشنطن. وهي بذلك تؤسس لـ«انقلاب المظلة إلى مغناطيس» كحقيقة استراتيجية جديدة: من يحتمي بقاعدة أجنبية يصبح هدفاً، ومن يحتمي بتوازن إقليمي يصبح آمناً.
«تحصين الجبهة الداخلية» و«تصفير عقد الفتنة المؤجرة»: حين تُعلن الرياض «أمنها القومي المجتمعي»
إن توجيه القيادة السعودية بتخصيص خطبة الجمعة المقبلة للتحذير من «العصبية القبلية» و«الحسابات المضللة» ليس وعظاً دينياً عابراً، بل هو «تصفير عقد الفتنة المؤجرة» من الداخل، بعد أن صفّرت «عقد الحماية المستأجرة» من الخارج برسالتها إلى بكين. إنه «إعلان أمن قومي مجتمعي» يستبق الأزمات بدلاً من معالجتها، ويؤسس لـ«هندسة إدراكية وقائية» تُحصّن النسيج الاجتماعي ضد الفتن.
عقائدياً: التذكير بنعمة الإسلام الجامعة، وإبطال معايير الجاهلية، والتأكيد على أن الميزان هو «التقوى لا الأنساب». سيبرانياً: الإشارة الصريحة إلى «أعداء» يقفون خلف الحسابات المضللة، توضح إدراكاً دقيقاً لطبيعة «حروب الجيل الرابع الإدراكي» التي تستهدف عقول الشباب، وتهدف إلى «بناء مناعة مجتمعية». جيوسياسياً: في ظل الإقليم الملتهب، تدرك القيادة أن «قوة الدول تبدأ من صلابة جبهتها الداخلية»، وأن إغلاق باب العصبية والفتن الرقمية يعني إسقاط أي رهان خارجي على تفجير الدولة من الداخل.
إننا ندرك أن الإعلام العربي مصاب بـ«عطب مزمن» لا يفك شفرة حديث القادة، وأن الشعوب تعرضت لسنوات لـ«آلات التغريب والتغيب»، فأصبح «القادة بلا ظهير شعبي»، وظهورهم مكشوفة أمام «مغناطيس الفتنة المؤجر» الذي تديره حسابات الخارج لتفكيك اللحمة الوطنية.
لذلك جاءت هذه الخطبة كـ«هندسة توازن سيادي داخلي» تعيد بناء «الظهير الشعبي» خلف القيادة، ويتوجب على الإعلام السعودي والخليجي والعربي الخروج من العطب المزمن، وابتكار لغة تفهمها «آلات التغيب»، لأن دعم الرياض في معركة «فخ السيادة المثقوبة» هو «فريضة وجودية» لا تُساوم ولا تُؤجل.
«سيادة أرض الحرمين خط أحمر»: من صمت المنصات إلى مسؤولية الكلمة
حديثي هنا للإعلام الخليجي والعربي أولاً، وللشعوب العربية والإسلامية ثانياً: إن المساس بسيادة «أرض الحرمين» لا يحتمل تأويلاً ولا تبريراً بذريعة الحياد. فالحياد في معركة السيادة سقوط مهني وأخلاقي، وهو في جوهره اصطفاف غير معلن مع مشروع التشويه. ومن يختبئ خلف الحياد الرمادي يسقط في «تواطؤ السيادة المستباحة»، وهذا التواطؤ إذا فُتح بابه لن يُغلق على أحد.
والرسالة إلى الشعوب العربية والخليجية، وخاصة الشعب السعودي: إن الساعات التي تُحرق يومياً على المنصات الرقمية تحت مسمى «التسلية» ليست ترفيهاً بريئاً، بل هي «آلات تغييب» صُممت لتفصلك عن قضاياك الوطنية. أن تُغرق في اللهو بينما تُستباح مقدساتك، وأن تترك ساحتك الوطنية للآخرين، هو «خيانة عظمى» للوطن وللوطنية.
لقد آن الأوان للخروج من حالة «التغيب الرقمي»، ورفع الرأس عن الشاشات، والتوجه بكل الوعي إلى الساحة الوطنية، للاصطفاف خلف القيادة السعودية، والاصطفاف خلف القادة في كل دولة عربية. إن دعم القادة والالتفاف حولهم في هذه اللحظة المفصلية ليس خياراً سياسياً، بل هو «واجب شرعي ووطني»، ومن يتخلف عنه فقد خسر وطنه قبل أن يخسر معركته.



