يوم الطفل الفلسطيني يتحوّل حداد في غزة: يواجهون المصير وحدهم

في يوم الطفل الفلسطيني الذي يصادف الخامس من أبريل من كل عام، تتجدد المعاناة وتتكشف الأرقام الصادمة التي تعكس الواقع الإنساني المرير الذي يعيشه أطفال فلسطين، فقد كشف الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء عن أن الأطفال يشكلون ما نسبته 43 بالمئة من إجمالي السكان في فلسطين، وهو ما يعكس الحجم الكبير لهذه الفئة العمرية التي تواجه تحديات جسيمة في ظل استمرار الاحتلال والعدوان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية، وخاصة في قطاع غزة، الذي أصبح مسرحا لأكبر كارثة إنسانية يشهدها التاريخ الحديث من حيث عدد الأيتام والضحايا بين الأطفال.
39 ألف طفل يتيم و17 ألف فقدوا والديهم معا
تشير التقديرات التي نشرها الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن العدوان الصهيوني المتواصل منذ أكثر من 534 يوما على قطاع غزة أدى إلى فقدان أكثر من 39,384 الطفل لأحد والديهم أو كليهما، حيث حُرم ما يقارب 17,000 طفل من كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع حياة بلا سند ولا مأوى ولا رعاية، هؤلاء الأطفال الأيتام الذين فقدوا كل شيء بين ليلة وضحاها باتوا يفتقرون لأبسط مقومات الحياة النفسية والاجتماعية والمعيشية، في وقت تغيب فيه مظلة الحماية الدولية والمؤسساتية.

تهديد المجاعة وسوء التغذية خطر يطوق حياة الآلاف
ومع استمرار الحرب والحصار وتدمير البنية التحتية والمرافق الصحية والغذائية، حذر الجهاز المركزي للإحصاء من أن المجاعة وسوء التغذية باتا يهددان حياة عشرات الآلاف من الأطفال في قطاع غزة، حيث من المتوقع أن تصل حالات سوء التغذية الحاد إلى نحو 60,000 حالة بين الأطفال، في ظل ندرة الغذاء والمياه النظيفة، ونقص الأدوية والمكملات الغذائية الأساسية، وهو ما يعرضهم لمخاطر صحية كبيرة قد تصل إلى الوفاة، كما أكد التقرير أن حالات شلل الأطفال عادت إلى الظهور في غزة، نتيجة الانهيار شبه الكامل في النظام الصحي.
أطفال تحت القصف ونساء يدفعن الثمن
العدوان المتواصل منذ أكثر من عام ونصف حوّل حياة الأطفال إلى كابوس دائم، حيث شكّل الأطفال والنساء أكثر من 60 بالمئة من إجمالي الضحايا، وقد استشهد خلال العدوان ما لا يقل عن 50,021 فلسطيني، بينهم 17,954 طفل، من بين هؤلاء كان هناك 274 رضيعا ولدوا واستشهدوا تحت القصف، و876 طفلا دون عام واحد لم يصمدوا أمام نيران الحرب، كما فقد 17 طفلا حياتهم من شدة البرد في خيام النزوح، في حين توفي 52 طفلا جراء الجوع وسوء التغذية، وهي أرقام تعكس قساوة المشهد الإنساني وعمق الجريمة المرتكبة بحق جيل كامل.
إصابات بالجملة وآلاف المفقودين
لم تقتصر المأساة على الشهداء فقط، بل هناك ما يزيد عن 113,274 فلسطيني أصيبوا خلال العدوان، منهم 69 بالمئة من الأطفال والنساء، كما لا يزال هناك أكثر من 11,200 مواطن مفقود تحت الأنقاض أو في ظروف غير معلومة، يشكل الأطفال والنساء 70 بالمئة منهم، وهو ما يعكس فداحة الاستهداف الممنهج لهذه الفئات الضعيفة التي تُركت دون مأوى أو حماية أو دعم حقيقي من المجتمع الدولي.
الضفة الغربية وجه آخر للعدوان الصهيوني
وفي الضفة الغربية لم يكن الواقع أقل مأساوية، فقد أسفر العدوان هناك عن استشهاد 923 فلسطينيا، من بينهم 188 طفلا، في حين أصيب 660 طفلا بجروح متفاوتة، وذلك نتيجة التصعيد الممنهج في عمليات الاجتياح والقصف والاقتحامات التي تنفذها قوات الاحتلال في مختلف مدن وبلدات الضفة، حيث يعيش الأطفال حالة من الرعب والخوف الدائمين، ويواجهون انتهاكات يومية تطال حياتهم وتعليمهم وحقوقهم الأساسية.
اعتقالات الأطفال.. انتهاك متصاعد للقانون الدولي
وفي سياق متصل، كشفت تقارير حقوقية صادرة عن مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى أن الاحتلال الصهيوني صعّد بشكل غير مسبوق من عمليات اعتقال الأطفال الفلسطينيين، حيث تم توثيق اعتقال ما لا يقل عن 700 طفل منذ بداية عام 2024 فقط، ما رفع عدد الأطفال المعتقلين منذ بدء العدوان إلى أكثر من 1,055 طفل، وغالبا ما يتعرض هؤلاء الأطفال لأساليب تحقيق قاسية واحتجاز غير إنساني، في انتهاك فاضح للقوانين والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الطفل.

حديثو الولادة يواجهون خطر الموت بصمت
لم تسلم حتى الأرواح الصغيرة التي لم ترَ النور بعد من أهوال العدوان، إذ يعيش نحو 7,700 طفل من حديثي الولادة في قطاع غزة ظروفا صحية بالغة الخطورة بسبب نقص الرعاية الطبية، ويعاني معظمهم من عدم توفر الحاضنات، وأجهزة التنفس، والأدوية الأساسية التي تضمن لهم النجاة، وقد تدهورت الخدمات الصحية إلى حد كبير، ما يجعل فرص بقائهم على قيد الحياة أقل بكثير من الطبيعي، في ظل نظام صحي شبه منهار وتجاهل عالمي قاتل.
صمت دولي وصرخة من تحت الركام
أمام هذه الأرقام المهولة والحقائق الصادمة، يقف العالم في كثير من الأحيان صامتا أو متقاعسا عن التحرك الحقيقي لإنهاء معاناة الأطفال في غزة وباقي الأراضي الفلسطينية، حيث يستمر العدوان وتُرتكب الجرائم في ظل غياب المحاسبة الفعلية للمسؤولين عنها، وتبقى صرخات الأطفال تحت الركام شاهدا على جريمة العصر، وعلى فشل المجتمع الدولي في حماية أبسط حقوق الإنسان، وعلى رأسها حق الطفل في الحياة.
في يوم الطفل الفلسطيني لا تحمل غزة البالونات ولا الألوان كما يفعل العالم، بل ترفع صور الشهداء واليتامى وتُبكي أمهات ثكالى وتُنادي الضمير الإنساني الغائب عن المذبحة التي يتعرض لها أطفالها كل يوم، أطفال فقدوا طفولتهم وبيوتهم وعائلاتهم، ولم يتبق لهم سوى الأمل في غد لا تصنعه الحرب.